نذير حمدان

188

حكمة القرآن والحضارة

العكوف الخاطئ ، وأن يدع الإنسان نفسه نهبا للمصائب المعادة سواء تماثل بعضها ببعض أو اختلفت في الصور والأشكال ، فإن الحذر مطلوب لا من أجل سلامة العمل ذاته وحسب وإنما من أجل تقويم الشخصية التي لا ترتاع ولا تعتبر . فقد ورد في الصحيح قوله : لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين « 1 » . قال معاوية : لا حكيم إلّا ذو تجربة . ووصله أبو بكر بن شيبة في مصنفه ، وفي رواية عن معاوية : لا حليم إلّا ذو تجربة ، قالها ثلاثا : وفي حديث أبي سعيد مرفوعا : لا حليم إلّا ذو عثرة ، ولا حكيم إلّا ذو تجربة « 2 » . وجاء في سبب وروده : كان أبو عزة الجمحي شاعرا ، قد أسر ببدر ، فشكى للرسول صلى اللّه عليه وسلم عائلة وفقرا ، فمنّ عليه النبي وأطلقه بغير فداء ، فظفر به بأحد ، فقال : منّ عليّ ، وذكر فقره وعياله ، فقال : لا تمسح عارضيك بمكة ، تقول : سخرت بمحمد ، مرتين ، وأمر به فقتل ، ثم قال : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . فليس المؤمن بالخبّ ( الخدّاع ) ولا الخبّ يخدعه . قال الطيبي : يعني أنه ليس من شيمة المؤمن الحازم الذي يغضب للّه أن ينخدع من الغادر المتمرد فلا يستعمل الحلم في حقه ، بل ينتقم منه . قال ابن حجر : يستفاد من هذا أن الحلم ليس محمودا مطلقا ، كما أن الجود ليس محمودا مطلقا ، وقد وصف اللّه الصحابة أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . فليس من الحكمة وضع الكرم في موضع السيف وبالعكس . ووضع النّدى في موضع السيف بالعلا * مضر كوضع السيف في موضع النّدى

--> ( 1 ) البخاري أدب ( 6133 ) . ( 2 ) نقله صاحب الفتح عن أحمد وصححه ابن حبان ومعظم الأقوال السابقة من فتح الباري 10 / 530 .